محمد ابراهيم شادي
66
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
وابن أبي الإصبع ينتقل بعد هذا إلى ما تتميز به الآية ، ومن ذلك بعد الزيادة على معنى الخنساء الالتفات في قوله : ( وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ ) وأدمج في هذا الالتفات ضرب آخر من المحاسن يقال له التنكيت ، فإن النكتة التي من أجلها جمع الضمير الذي كان من حقه أن يكون مثنى في ( لحكمهم ) هي الإشارة إلى أن هذا الحكم متبع يجب الاقتداء به لأنه عين الحق ونفس العدل ، وكيف لا يكون كذلك وقد أخبر سبحانه أنه له شاهد " « 1 » . والحق أن هذه الميزات لا تفهم حق الفهم إلا بالنظر في خصوصية المعنى القرآني وسياقه وملابسته ، ويلفتنا في سياق الآية أمران : الأول : أن قبلها حديث عن لوط عليه السلام يبدأ بقوله تعالى : ( وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ ) [ الأنبياء : 74 ] ويناسبه قوله تعالى في شأن داود وسليمان عليهما السلام : ( وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً ) وفي ذلك إشارة إلى أن اللّه سبحانه يختار رسله وأنبياءه من الناس لكنه سبحانه يخصهم أن يعطيهم حكما وعلما " والحكم هو النبوة " « 2 » ويعطيه العلم ليكون أهلا للنبوة ، وهذا ينسحب على كل الرسل والأنبياء ومنهم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فيكون هذا ردا على ما ورد في صدر سورة الأنبياء من قوله تعالى : ( أَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) . . . الآية 3 . ومن هذه الملابسات نشعر بأن المقصود هو الإيحاء بأن اللّه سبحانه يصطفى من عباده من يشاء لرسالته ، وأنه يعطيهم الحكم والنبوة ، فلا عجب أن تتفاوت الحظوظ حتى بين الأنبياء فهم درجات ، وقد يكون الأب والابن نبيّين ويعطى اللّه سبحانه لأحدهما من العلم ما لم يعط للآخر بل قد يعطي للابن ما لم يعط للأب كما في تلك الحلقة التي وردت في سورة الأنبياء من قصة داود وسليمان عليهما السلام فهي مناسبة لهذا السياق كل المناسبة . إذ يقول سبحانه : ( وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ ) [ الأنبياء : 78 ] .
--> ( 1 ) بديع القرآن 130 . ( 2 ) فتح القدير 2 / 149 .